أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات / غرق مسرح المراهقة.. رؤية / هيثم الطيب

غرق مسرح المراهقة.. رؤية / هيثم الطيب

غرق مسرح المراهقة..
رؤية / هيثم الطيب

 

 

 

ضفة النيل وتلك القرية،ذلك البيت، وأولئك المستغرقين في عشق الأرض،الطفلة نوباتيا،المراهقة صوفيا،من ذلك البيت الطيني الذي معالمه تضيء بصورة الحضارة النوبية،الرؤية،التشكيلات،الدفق اللساني،تمثيل المراهقة على مسرح بيتهم،صنعت مسرحا،ثم أصبحت تمارس فيه هوايتها التمثيلية،تضيء بذلك،تصرخ،تغضب،كانت تظن أن بريق حياتها هنا،على مسرحها في طرف بيتهم الشمالي،تقف على خشبة المسرح،أحيانا تقرأ من كتاب قديم عن اللغة النوبية،تظن أنها على مسرح عالمي،تتحدث باللغة النوبية،ثم تشرحها باللغة العربية والإنجليزية،تكتب مسرحيات تخاطب عقلها أولا بأن قيمتها هنا،على مسرحها وأرضها،تكتب عن أختها الصغيرة،والدتها صفية التي حفظت عهدها مع زوجها بوصيته عند وفاته،اللغة النوبية عهدي معك،في ذريتي،رحل صالح المعلم الذي كان يدرس اللغة النوبية في مدرسة القرية عصرا،يقول،قيمتي هنا،أن أفعل هذا،قيمتي الوطنية كمعلم وكحضارة راسخة،لم يضعف يوما ما،أحد عشر عاماً على ذلك الجمال،وضع وصيته تلك لزوجته،والتي حفظت عهدها معه،اللغة النوبية عندها وشيجة رحم حنين موصول بينها وبين بناتها،هي تضع كل بنات القرية بناتها،وأصبحت هي معلمة اللغة النوبية في مدرسة القرية عصرا،حديثها بها،الغناء كذلك،البكاء بها،الفرح،الغضب،الحياة هي كما كانت تقول..
حركة اللغة النوبية في البيت،أخذت بملامح وجدانية في قلب الطفلة نوباتيا،هي بإلفة حقيقية معها،صوتها فيها كأنه أغنية يغني بها النيل،الطفلة تظن أن اللغة النوبية صوت والدها الذي يكتب بها رسائله لوالدتها من الجنة،والتي وضعت ملامحها في عقلها وقلبها،المراهقة على مسرحها،يوما ما تغني لحلم والدها فيها،سمعتها والدتها تغني أغنية فيها خوف من مستقبل ليس مضيئا للأرض،كانت تمثل مسرحية على طريقتها،تجري على ضعف ثم على سرعة وتغني ببكاء،والدتها كانت تسمع ذلك،وتهمس لنفسها:من أين لها بذلك الخوف على الأرض،لماذا يأتي لها،هل ترى اقترابا لذلك،أم ماذا،الأسئلة كلها قلقة ومقلقة،انتظرت والدتها لتسمعها وهي تغني بالبكاء والخوف،صنعت الكلمات بنفسها،وصنع فيها خوفا غير مرئي على الأرض والحضارة فزعا مقيما،كانت تغني على مسرحها:-
الأسمر والسمراء حضارة العينين العاشقتين..
هذه أرضنا..
وأرض العينين..
أين صوتي ومستقبلي..
أين حلمنا..
وأين مستقبلنا..
والدتها فزعت من الأغنية التي جعلت البكاء بينهما وصل روحي ووجداني..
حدتث والدتها نفسها،لهذا الحد ابنتي فزعة من خوف قادم لأرضنا،كيف ذلك،ومن صنع فيها كل هذا الخوف..
في كل ليلة،والفزع أصبح رفيقا لوالدتها،والسؤال،هل يرسم عقلها خيالا بأن الأرض والحضارة بين إحتمال واحد،غرق حقيقي،سمعتها يوما على مسرحها،تصرخ : من وراءك أيها النيل،من يدفع بك لتغرقني،والدتي على أرضنا،كن رقيقا بها،ومعها طفلتها،شقيقتي،كانت المراهقة تظن بأن النيل أصبح بين أيادي هي التي تدفعه ليغرقها،كانت تضع في وجدانها،قصة فداء لكل الأرض،والحضارة،لكل الناس وكل الحلم،لعلها في عشق أن تكون الوحيدة التي ستضع نفسها للنيل ليغرقها هي فقط،والسؤال في عقل والدتها: هل الفزع فيها وصل لدرجة بعيدة مثل هذي،نيل يغرقها هي لتكون فداء لنا ولكل ما نملك،من يحرك هذا القلق داخلها،من يصنع فيها خوفا كثيفا كهذا،هل خيالها لايصنع إلا الخوف،هل،وهل،والدتها دائماً تحاول فهم ما الذي يجري لابنتها المراهقة،بعد عودتها من المدرسة،تذهب للحضارة،هي تصف مناطق الآثار بالحضارة،ترى ذلك وصفا خاصا بها،قبل سنة،قالت لوالدتها: أنا سأكون مع الحضارة غدا مع الفجر،في تلك الساعة،الحضارة تكتب لكل العاشقين عمرا جميلا،وأنا عاشقة،أريد عمرا جميلا،وكل فجر هي هناك،تذهب لوحدها،تقول: الحضارة تعشق الهدوء،ولذلك هي تعرفني لأنني هادئة عندما أكون معها،تحكي لي سنواتها،ومن وضعها كبناء،وكتب عليها،وتغنى بها،ورقص عليها،المراهقة تظن أن الرقص للحضارة يجعلها ترى فيها صورتها،هي ترقص رقصا من إيقاع تلك الحضارة،تعيش أيامها وترفض أي رقص ليس له إسناد من الحضارة،في يوم الرقص على مسرحها،كانت تعمل على صياغة أصوات غنائية من إيقاعات الحضارة نفسها،ترقص عليها وعينيها في كل إحتمالات الدخول في الحضارة زمانا وارتباطا بلا عودة لزمانها..
الطفلة كانت تصحو من نومها فزعة،تصرخ:لقد غرقنا،غرقنا يا أمي،وتحاول والدتها تهدئة روعها،ودفق حنين عليها،وفي عقلها السؤال الجريء:حتى طفلتي تخاف أن نغرق،ماذا يعني هذا،هل هنالك حقيقة قادمة في هذا،هذه تفزع في نومها من غرق،وتلك تخاف من غرق دائماً،حيرة صعبة تحتويها،تسرب الخوف خلسة لها،تسرب وأكمل دائرة كبيرة داخلها،هي أيضاً أصبحت تظن أن الغرق قادم،تفكر بعقلها،وتكذب خوفها،تحاول وضع نفسها في الطمأنينة لكنها لاتستطيع،كل يوم قلقها يزيد،وقلق طفلتها مع إضطراب بنتها المراهقة..
البيت الطيني كله يحكي عن نفس الفزع،تخاف الجدران من غرق قادم،هل أصبحت مثلهم..
المراهقة،كانت تنتظر حتى مغيب الشمس،داخل (الحضارة) كما تطلق عليها،تجلس على ضفة النيل،كأنها تراقبه حتى لايغرق أرضهم وحضارتهم،كانت تهمس: من سيدفع مياهك نحونا،هل ستكون في حزن وأنت تفعل ذلك،هل ترضى بأن تجعلنا تحت أمواجك،هل غضبت منا،تظن أن النيل يمكن له من الإفصاح،وترجع لبيتها وهي في يقين بأن الغرق قادم،لكن الليل لن يكون ميعادا،والدتها كانت تحكي بقصة ابنتيها لرجل في القرية،كان يقرأ على الناس تأريخهم،إماما في الصلاة وعالما يحدث عن حضارة الناس هناك،وعن القيمة الجمالية،وعن التأريخ المضيء،استمع لفزع المرأة من الذي يحدث معها ومع طفلتها الخائفة من غرق قادم،والمراهقة التي أصبحت في يقين من غرق لهم جميعا وللأرض كلها،هل هنالك أرواح تفعل ذلك،وكيف نهزمها،الرجل بعد أن استمع لها،قال لها: كل ذلك يحدث معي،أنا أحلم بغرق قادم،ولا أعرف سببا لذلك،أحلم وأخاف من نهاية محتملة لنا،أحس بذلك،أقرأ فزعا في أعين الجميع،هل كلنا على يقين بغرق قادم لنا،هل هنالك من يحرك النيل ليفعل ذلك فينا،قليلا،قليلا،أصبح الفزع يحتوي كل الناس في القرية،كل يحكي عن خوف يسكن معنا،هواجس مقلقة،وإحتمالات صعبة،هل يحدث لذلك لنا ولحضارتنا،نحن قيمة هذا الوطن تأريخا وكيانا..
‌القرية تغرق في حلم إنتظارا لغرق لمسافات كبيرة،كبيرة تمتد من القرية إلى كل أرض الحضارة،من يدخل حلم غرق كل تلك الأرض في أفئدة الناس هناك،بزمن واحد،وصوت معين،وفزع يتحرك في الأفئدة والمكان،في الزمان،في صرخة الطفل،قلق المراهقة،دمع الأعين البعيدة،كلها كانت مرهقة للأرض التي يتأرجح حولها ماضي راسخ ومستقبل محتمل فيه صوت النهاية كلها..
‌وصدق الفزع،تحقق الخوف،المراهقة ومسرحها،سكونها قبل ثلاثة أيام من إقتراب الغرق،بكاء قلبها على مسرحها بلا صوت،دمع عقلها ودماء قلبها،ثلاث أيام،وهي كذلك،حتى سماعنا لصوت الغرق القادم من رئيس الخوف،قلنا له ذلك،رئيسا للخوف أنت،سنغرق على يديك،ستغرق حضارتنا،أرضنا،تأريخنا،هل من إحتمال لك غير أن تكون رئيسا للخوف،صرخت المراهقة على مسرحها: لا إحتمال إلا ذلك،إن صوته كان يهمس لي: غرق،غرق ووجهه كان يرمز لي بعين فيها غيمة ضعف: غرق،غرق،سقطت المراهقة على مسرحها،وصورة والدها،وحلم الناس..
‌الماء يقترب من المسرح،غرق كله إلا صوت المراهقة،لم يغرق لأن كل الناس حملته معها للأرض الجديدة،وفيها وضعت المراهقة مسرحها ثانية،كان مسرحا يغني بلا صوت،يتحدث بلا لسان،يغرق في دمع ودماء..
‌كتبت المراهقة يوما على باب منزلهم في الأرض الجديدة،غرق مسرحي وحضارتي بالنيل،وغرق مسرحي الثاني في الأرض الجديدة بصمتنا،لن أقول أرضي،لأنها هنا بلا حضارتي..

عن أمانى صالح

أمانى صالح

شاهد أيضاً

البعد الآخر / صلاح الدين حميدة .. شكراً حمدوك…..

البعد الآخر / صلاح الدين حميدة .. شكراا حمدووك….. عندما نقول شكرا حمدوك ليس من …

هلال وظلال عبد المنعم هلال:كل واحد يخلي بالو من لغاليغو

هلال وظلال عبد المنعم هلال كل واحد يخلي بالو من لغاليغو – في ظل هذه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *